دين

جمال القرآن وتفسير آية:﴿ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾

﴿ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾ [الطلاق: 7]

وَبرَغْم أنَّها وَرَدَتَ في سياقٍ يتعلقُ بالحياةِ الزوجيةِ، إلّا أنَّها تَصْلُحَ للتعاملِ معَ حوادثِ الحياةِ بصفةٍ عامةٍ، فلوْ أنَّ الإنسانَ تأملَ في المعاني العظيمةِ فِيهِا، واتخذَ القاعدةَ المأخوذةَ منهما في حياتِه كلِّها لتغيرَّتْ حياتُه بالكليَّةِ، ولَهَانتْ مشكلاتُه في عَينِه، ومنْها المشكلاتُ والمنغِّصاتُ التي تقعُ في بيوتِنا، فهِيَ بلا شكٍ نوعٌ مِنَ العُسْرِ، ولكنْ إنِ استحضَرَ المرءُ القاعدةَ انتقلَ مباشرةً إلى ترقُّبِ اليسرِ

معاني الآية واستحضارها في حياتنا

فكأنَّ هذه الآيةَ تقولُ لنا إنَّ كلَّ عسرٍ في باطنِه يسرٌ عظيمٌ فابحثْ عنْهُ، فإنكَ لوْ وَجدْتَ إنسانًا كلَّما لَمسَ شوكَ فاكهةِ البَرشُوميِّ رمَاها لقُلتَ هذا سفيهٌ، فخذْها بحرصٍ واتقِ شوكَها وإنْ أصابَك شيءٌ منهُ فاصبرْ وستجدُ قريبًا في داخلِها الخيرَ الكثيرَ، وهكذا الحياةُ بالصبرِ على ما فيها منْ عسرٍ يُحصَّلُ اليسرُ.

فهذه المعاني العظيمةُ تجعلُ الإنسانَ يَنتقلُ مِنَ الضّيقِ والعُسْرِ والكَدَرِ، إلى الفرَجِ واليسرِ والصفاءِ بِتَرقُّبِ اليُسرِ وَتَرَقُّبِ الفَرجِ، {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق:1]، أيْ أمرًا خيِّرًا طيبًا كما تُبَيِّنُه الآيةُ الأخرَى {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق:7].

والخلاصة ألّا يقع المرء في الاستغراقِ في اللحظةِ الحاضرةِ، بلْ منذُ أنْ يَنْزِلَ بهِ العسرُ -سواءٌ كانَ مشقةً أوْ خِلافًا أوْ مشكلةً- فلْينتقلْ مِنْ حالِه مباشرةً ولْينتظِرِ اليُسْرَ، {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق:1]، {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق:7]، {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}، فهذهِ القاعدةُ العظيمةُ إنْ حَكَمَتْ حياتَنا جَعَلَتْها هنيئةً طيبةً؛ لأنَّ الانتقالَ الذهنيَّ منْ حالِ الضيقِ إلى حالِ الفَرَجِ، يُريحُ المرءَ ويَجعلُهُ يَعيشُ حياةً أخرَى، وهناكَ كلمةٌ عظيمةٌ لشيخِ الإسلامِ ابنِ تيميةَ رحمه الله تُبيِّنُ هذا الأمرَ بوضوحٍ وجلاءٍ، فقدْ نَقَلَ عنْهُ تلميذُه ابنُ القيمِ رحمه الله أنَّه كانَ يقولُ: (مَا يَصنعُ أعدائِي بِي؟ أنَا جَنَّتِي وبُستانِي فِي صدْرِي، إنْ رُحْتُ فهيَ معِي لا تُفارِقُنِي، إنَّ حَبْسِي خَلْوةٌ، وقَتْلِي شهادةٌ، وإِخْرَاجِي مِنْ بَلَدِي سياحةٌ) ، فبِاستحضارِ القاعدةِ العَظيمةِ، وبتحقيقِ الانتقالِ الذهنيِّ، تتحوَّلُ مباني السَّجنِ الضيقةُ المغلقةُ المظلمةُ إلَى خَلوةٍ معَ اللهِ عز وجل وفُرْصَةٍ للتألُّهِ والتَّعَبُّدِ، ويتحوَّلُ البعدُ عنِ الوطنِ والأهلِ وفِراقُ الأحبابِ إلَى سِياحةٍ، كمَا يَدْفَعُ الناسُ اليومَ أموالًا طائلةً مِنْ أجلِ أنْ يَنتقِلوا مِنْ بَلدِهم إلَى بلادٍ أُخرَى بعيدةٍ، فإذَا قتلوهُ في نهايةِ المطَافِ كانَ قتلُه شهادةً لأنَّه ما قُتِلَ إلّا مَظلومًا لِما يُبَلِّغه مِنْ عقيدةِ أهلِ السنةِ والجماعةِ يُريدُ بذلكَ أنْ تكونَ كلمةُ اللهِ هي العُليا.

تعامل البعض مع الشدائد:

يحصل للإنسان أوقاتٌ تتعسر عليه الأمور، وتشتد عليه الشدائد، وتكثر عليه المصائب، حتى تضيق عليه نفسه، وتضيق عليه الأرض بما رحبت.

بعض الناس تنجو من هذه الكروب، وهي الطائفة التي ملأ الإيمان قلوب أفرادها، فغطت حلاوة الإيمان في قلوبهم مرارةَ تلك الكروب؛ قال الإمام النووي رحمه الله: “حلاوة الإيمان استلذاذ الطاعات، وتحمل المشاق في الدين، وإيثار ذلك على أعراض الدنيا”.

و ناس يتلاعب بهم الشيطان، فيوقعهم في دائرة الأحزان الطويلة، والهموم المستمرة، فتصيبهم الأمراض النفسية التي تتعبهم بدنيًّا ونفسيًّا، وهؤلاء زادوا كروبهم كروبًا، فالعاقل لا يعالج الداء بداء يزيده، بل يستخدم معه ما يزيله أو ما يخففه، ومما يعين العبد على تحمل تلك الكروب إيمانُهُ ويقينه الجازم أن تلك الأمور العسيرة سيعقبها يسر وتيسير من الله الكريم؛ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾ [الطلاق: 7]؛ قال الإمام الطبري رحمه الله: “﴿ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾؛ من بعد شدةٍ رخاءً، ومن بعد ضيقٍ سعةً، ومن بعد فقرٍ غنًى”.

وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: “وقوله تعالى: ﴿ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾ [الطلاق: 7] وعدٌ منه تعالى، ووعده حق لا يخلفه؛

إن من الأسباب التي تعين على تيسير الأمور ما يلي:

التوكل على الله عز وجل:

يقول العلامة ابن رجب رحمه الله: “ومن لطائف أسرار اقتران الفرج بالكرب، واليسر بالعسر أن الكرب إذا اشتد وعظُم وتناهى، حصل للعبد الإياسُ من كشفه من جهة المخلوقين، وتعلق قلبُه بالله وحده، وهذا هو حقيقة التوكل على الله، وهو من أعظم ما تُطلب بها الحوائج، فإن الله يكفي من توكل عليه؛ كما قال: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق: 3].

تقوى الله عز وجل:

قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾ [الطلاق: 4]؛ قال الإمام البغوي رحمه الله: “أي: يسهل عليه أمر الدنيا والآخرة”.

وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: “أي: يسهِّل له أمره، وييسره عليه، ويجعل له فرجًا قريبًا، ومخرجًا عاجلًا”.

الصبر الجميل:

قال الله جل جلاله: ﴿ فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا ﴾ [المعارج: 5]؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “الصبر الجميل صبر بلا شكوى”.

وقال العلامة السعدي رحمه الله: “الصبر الجميل الذي لا يصحبه تسخُّط، ولا جزع، ولا شكوى للخلق”.

اقرأ أيضا:-

جمال القرآن وتفسير آية “لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ”

جمال القرآن وتفسير آية: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾

دعاء اليوم الحادي عشر من رمضان..اَللّهُمَّ قَوِّني فيهِ عَلى إقامة اَمرِكَ

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى