لماذا أعلنت واشنطن التأهب النووي (ديفكون 3) وسط حرب أكتوبر 1973؟
من الخطوط الأمامية إلى أزمات البيت الأبيض: أسرار رفع أمريكا حالة التأهب النووي في حرب أكتوبر

قبل اثنين وخسين عاماً، وتحديداً في السادس من أكتوبر/تشرين الأول 1973، تغير وجه الشرق الأوسط للأبد. في يوم “كيبور” (عيد الغفران) – أكثر الأيام قداسة وضعفاً في التقويم الإسرائيلي – شنّت الجيوش المصرية والسورية هجوماً مباغتاً لتحطيم أسطورة “الجيش الذي لا يُهزم”، ورد الاعتبار بعد هزيمة 1967 واستعادة الأراضي المحتلة في سيناء والجولان. لكن هذه المعركة لم تقتصر على الجبهة العربية الإسرائيلية وحدها، بل كادت أن تجر العالم بأسره إلى شفا حرب نووية مدمرة.
كتبت سالى حجازى
القاهرة _ حكاوي السياسة

خلال حرب أكتوبر 1973 رفعت حالة تأهب الجيش الأمريكي إلى مستوى “ديفكون 3” في عهد الرئيس نيكسون
حافة الهاوية: حين رفعت واشنطن التأهب النووي
مع ذروة الحرب الباردة، انقسم المعسكران؛ حيث ساندت الولايات المتحدة إسرائيل، بينما دعمت موسكو القاهرة ودمشق. ومع انقلاب موازين القوى ميدانياً بعد نجاح القوات الإسرائيلية – بقيادة أرييل شارون – في عبور قناة السويس، تلقى الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون رسالة تحذير صارمة من الزعيم السوفيتي ليونيد بريجنيف تلوح بتدخل عسكري مباشر.
ردّت واشنطن برفع حالة الاستعداد العسكري النووي إلى “ديفكون 3” (DEFCON 3)، وهو إجراء عالي الخطورة يعلن جاهزية القوات والقواعد النووية. غير أن الكواليس الدبلوماسية شهدت عاصفة من الغضب بين الحلفاء.

غضب بريطاني: هل استخدم نيكسون السلاح النووي للتغطية على “ووترغيت”؟
كشفت وثائق بريطانية سرية أفرج عنها لاحقاً عن حالة من السخط العارم في لندن. فقد وجّه رئيس الوزراء البريطاني الأدوارد هيث انتقادات لاذعة للرئيس الأمريكي نيكسون، متهماً إياه بمحاولة صرف الأنظار عن فضيحة “ووترغيت” عبر افتعال أزمة عالمية، ومن دون أي استشارة مسبقة للحلفاء أو وجود مبرر عسكري حقيقي.
والأدهى من ذلك، أن القيادة البريطانية لم تعلم بالقرار النووي الخطير إلا صدفة عبر وكالات الأنباء ومراكز المراقبة الإلكترونية، وسط حالة من الارتباك الدبلوماسي وضعف قنوات الاتصال من الجانب الأمريكي، وهو ما أكدته لاحقاً تقييمات الاستخبارات البريطانية التي اعتبرت الرد الأمريكي “مبالغاً فيه تماماً”. وفي المقابل، دافع وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر عن الخطوة باعتبارها ضرورية لردع موسكو، قبل أن تؤكد تقارير لاحقة أن رسالة بريجنيف لم تكن سوى مناورة سياسية بحتة.

رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك
جحيم “الحفرة” وتداعيات غيرت العالم
على الجبهة الإسرائيلية، يروي رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك – الذي عاد فوراً من دراسته في أمريكا ليلتحق بمركز قيادة الجيش المعروف بـ”الحفرة” – قائلًا إن الوجوه كانت شاحبة غباراً ويأساً، حيث سقط تماماً شعور التفوق المطلق.
ولم تقتصر ارتدادات الحرب على الميدان والعواصم الكبرى، بل امتدت لتشمل الاقتصاد العالمي عبر “سلاح النفط” الذي استخدمه العرب لفرض حظر نفطي أربك الأسواق الغربية ودفع نحو ابتكار مصادر طاقة بديلة. سياسياً، أدت الحرب إلى إعادة رسم خارطة التحالفات؛ إذ خرجت مصر من عباءة النفوذ السوفيتي نحو مسار السلام واتفاقيات كامب ديفيد، لتطوي المنطقة صفحة الحروب الخاطفة وتفتح الباب أمام واقع استراتيجي جديد.




