سعد غنيم يكتب .. المال لا يشتري قلبا صادقا

قد يكون المال مهمًا في حياتنا، فلا أحد ينكر أننا نحتاج إليه لنعيش، وننفق على بيوتنا، ونعلم أبناءنا، ونتلقى العلاج، ونواجه متطلبات الأيام. والضيق المادي متعب، وقد يحمل الإنسان همومًا لا يشعر بها إلا من عاشها. لكن الخطأ أن نتصور أن المال وحده يكفي لصناعة السعادة، أو أن زيادة الرصيد تعني بالضرورة زيادة راحة البال.
المال يؤدي مهمة في حياتنا، ويساعدنا على تجاوز صعوبات كثيرة، لكنه لا يضمن لنا صدق من حولنا. تستطيع أن تشتري به بيتًا جميلًا، لكن دفء البيت تصنعه المودة. وتستطيع أن تقدم أغلى هدية، لكنك لا تستطيع أن تضمن أن من أخذها يحمل لك محبة حقيقية.
وأحيانًا تكون أصعب حيرة يعيشها الإنسان المقتدر هي سؤاله لنفسه: هل هؤلاء يحبونني لشخصي، أم لما أقدمه لهم؟ هل يسألون عني لأنهم افتقدوني، أم لأن لهم طلبًا عندي؟ وهل سيبقى هذا الاهتمام إذا تغيرت ظروفي، أو اعتذرت يومًا عن تلبية ما يريدون؟
قد يسمع الإنسان كلمات جميلة، ويجد حوله وجوهًا كثيرة، ثم يكتشف مع أول موقف أن بعض هذا القرب كان مرتبطًا بمصلحة. كلمة «حبيبي» كانت تسبق طلبًا، والسؤال عن الأحوال كان مقدمة لخدمة، والاهتمام كان يزيد مع العطاء ويقل مع الاعتذار.
وهنا يكون الوجع؛ لأن الإنسان كان يتعامل بقلبه، ويظن أن مكانته محفوظة، ثم يكتشف أن ما كان يقدمه أخذ مساحة أكبر من شخصه في عيون بعض من حوله. ويصبح خائفًا من كل كلمة طيبة، حتى من الناس الصادقة التي لا تريد منه شيئًا.
وفي الحب تحديدًا، يحتاج الإنسان إلى من يراه هو؛ يرى تعبه، وطباعه، ومخاوفه، وأحلامه. من يفرح بوجوده قبل هديته، ويطمئن إلى صوته قبل أن يسأله عما يستطيع تقديمه. فالحب الذي يقوم على المنفعة يظل مرهونًا باستمرارها، أما المحبة الصادقة فتظهر في المواقف التي يحتاج فيها الإنسان إلى سند.
ومع ذلك، ليس كل من اقترب من صاحب مال طامعًا فيه، ولا كل صاحب مال وحيدًا أو تعيسًا. هناك قلوب صادقة، وأصدقاء أوفياء، وأشخاص يحفظون الود مهما تغيرت الظروف. لكن معرفة هؤلاء تحتاج وقتًا ومواقف، وتحتاج أن ننتبه إلى من يسأل عنا ونحن لا نقدم له شيئًا، ومن يحترم اعتذارنا كما يفرح بعطائنا.
من يحبك بصدق لا يجعلك تشعر أنك مطالب بالدفع حتى تحتفظ بمكانك عنده. لا يحول العلاقة إلى حساب مفتوح، ولا يعاقبك بالغياب كلما قلت: لا أستطيع. يعرف أن لك احتياجات وحدودًا، وأنك أنت أيضًا تحتاج إلى من يعطيك اهتمامًا، ويسمعك، ويقف بجانبك.
وقد يتحول المال إلى عبء حين يشعر صاحبه أن عليه أن ينفق باستمرار حتى يضمن بقاء الناس حوله. عندها تصبح الجلسات مرهقة، والعلاقات مقلقة، ويجد نفسه وسط كثيرين، لكنه لا يعرف إلى من يلجأ إذا تعب. وهذه وحدة قاسية، لا يخففها كبر البيت ولا كثرة الممتلكات.
لهذا، اسع إلى رزقك، واجتهد في عملك، وافرح بنجاحك، واستمتع بما رزقك الله، وساعد من تستطيع مساعدته. وفي الوقت نفسه، أعط نفسك فرصة لتعرف الناس بعيدًا عن العطاء المادي. دع العلاقات تكشف عن نفسها في السؤال، والاحترام، وحفظ السر، والوقوف وقت الشدة.
نحن نحتاج المال لنواجه متطلبات الحياة، ونحتاج المحبة الصادقة لنجد من نشاركهم هذه الحياة. نحتاج شخصًا نستطيع أن نقول أمامه: «أنا تعبان»، من غير أن نخشى أن تقل قيمتنا في عينيه، وشخصًا يفرح لنا من قلبه، ويظل قريبًا حين لا تكون لدينا قدرة على تقديم شيء.
وفي النهاية، من أجمل ما يرزق به الإنسان أن يجد من يطمئن إلى وجوده، ويثق في مودته، ويعرف أن مكانه عنده لا يتغير بتغير الأحوال.
فالمال قد يفتح لك أبوابًا كثيرة، لكنه لا يشتري قلبًا صادقًا يحبك لأنك أنت.
بقلم الإعلامي سعد غنيم




