بطولات أطباء حرب أكتوبر في ذكرى النصر.. حكايات لم تسمع من قبل يرويها البطل السيد عبد الباري

يحدثنا الدكتور السيد عبد الباري ، كبير أطباء الفوج الحادي عشر استطلاع إلكتروني خلال حرب أكتوبر المجيدة، عن تفاصيل استثنائية لم تحك من قبل عن دور الأطباء العسكريين في هذه الملحمة التاريخية، شهادته تنقلنا إلى أعماق التحضيرات السرية والمواقف الإنسانية التي عاشها أبطال الجيش الأبيض في أحلك اللحظات وأعظمها.

يصف الدكتور عبد الباري فترة الإعداد قائلا: “كنا قبل الحرب في حالة طوارئ حوالي ستة أشهر، ولم يكن أحد يخرج من الجيش”، ستة أشهر كاملة من التدريبات المستمرة ليل ونهار، حتى وصل الجميع لمرحلة التساؤل عن الهدف من كل هذا الاستعداد المكثف.
خلال هذه الفترة الحرجة، لم يكن التدريب مجرد روتين عسكري، بل كان إعدادا لمواجهة عدو يعرف كل شبر في الأرض المصرية، يوضح الدكتور كيف كان الوعي بخطورة التموضع التقليدي جزءا أساسيا من الاستراتيجية: “كل مجموعة تعمل بديلا للمكان الذي تعيش فيه، لأن هذه الأماكن مصورة عند إسرائيل ويعرفونها جيدا جدا”.
في تفصيل يكشف عن دقة التخطيط المصري، يحكي الدكتور عن لحظة حاسمة: “قبل الحرب بحوالي ساعة، والحرب بدأت الساعة الثانية ظهرا، كنا في موقع بديل وأخذنا حاجاتنا وسيارات الإسعاف وسيارة النقل إلى مكان آخر بديل أعددناه في الجبل”.
والمفاجأة المذهلة جاءت بعد ذلك: “المكان القديم تعرض للقصف بعد أن غادرنا بحوالي أربع ساعات، لدرجة أنهم قصفوا العيادة عندي، والصاروخ تحرف وأصاب عمود كهرباء وأسقطه، ولم يصب المبنى شيء”، لحظة تكشف عن أن الفارق بين الحياة والموت كان أربع ساعات فقط، وأن التخطيط المسبق أنقذ أرواحا لا تحصى.
يكشف الدكتور عبد الباري عن دور حيوي لوحدته لم يكن معروفا على نطاق واسع: “الاستطلاع الإلكتروني يشمل القوات الجوية والبحرية والبرية، فيه كل الأسلحة، وأسلحة مهمة جدا، لدرجة أنه إذا انطلق تيار من تل أبيب، كنا نحصل على معلومات تامة، لدينا الأجهزة التي ترصده”.

الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فقد كانت المعلومات تصل بدقة مذهلة: “كنا نعرف أن الطيار فلان يقول أنه متجه لضرب المطار الفلاني مثلا، وكانوا يطلقون على المطارات والأهداف عندنا أسماء فواكه – رمان، جوافة”، ويضيف: “لا تتصور أن العساكر الذين عندي كلهم مؤهلات عليا، لم يكن هناك مؤهلات متوسطة، كلهم يعرفون العبرية والإنجليزية والعربية، ويجيدون العبرية جيدا جدا لأن أي تواصل بيننا وبينهم بالعبرية”.
هؤلاء الجنود لم يكونوا مجرد عساكر، بل كانوا “خريجي ألسن أو خريجي كلية آداب قسم لغات، كل هذه كانت تخصصات لغوية عندي، يعني كل عسكري يجيد اللغة العبرية جيدا جدا، والأشخاص الذين يعملون على أجهزة التنصت يجلسون ثماني أو تسع ساعات واضعين السماعة على آذانهم يستمعون”.
ويكشف عن تفاصيل مذهلة حول التحضيرات السرية: كانت المطارات البديلة تنشأ بطريقة إبداعية على الطرق السريعة، حيث “الجزء الذي في وسط الطريق كان مزالا تماما ومسطحا ليصبح مطارا بديلا”، التفاصيل أكثر إبداعا: “كان هناك مطار في أشمون، وقاموا بعمل المطار المجاور له مباشرة من بلدة أشمون حتى بنها، فأصبح كل هذا مسطحا لأي طائرة تريد أن تهبط وتتحرك عليه، وبجانب الطريق في الأراضي الزراعية، كنا قد أنشأنا هناجر للطائرات داخل الأراضي الزراعية”.
في مواجهة الأسلحة المحرمة دوليا، اتخذت القيادة المصرية قرارا حاسما: “مستشفى الحلمية التي كانت مخصصة للعظام فقط، حولناها لعلاج الحروق من حروق النابالم”، ويشرح كيف كان العدو قد “أنشأ فوهات نابالم على سطح البحر وسطح النيل الذي بجانبنا كلها، والمخزن موجود في سيناء”.
لكن التخطيط المصري كان أذكى: “قبل هذه الحرب بحوالي أربع وعشرين ساعة، نزلت الجنود أولا وعرفت الأماكن وقبل الحرب سددنا كل الفوهات التي على الماء، لذلك كان الجنود يعبرون دون مشاكل، ولكن لولا ذلك لكان السطح كاملا من النابالم”.
وحول طبيعة الحياة اليومية في الجبهة، يقول: “كل عسكري عندما يحين وقت الراحة ينزل في حفرة دائرية عملها لنفسه، لم يعد هناك فرق بين ظابط وجندي، كل واحد له حفرة دائرية يذهب ليجلس فيها”، أما عن التحديات اليومية: “كانت المياه مشكلة بالطبع، كان للجندي أو الظابط أو الجميع قارورة ماء في اليوم كله في هذا الحر، وأحيانا نجد أن الواحد يلتقط حصاة أو شيئا ليضعه تحت فمه ليكون هناك رطوبة”.
ويقول: “في يوم الحرب كنا جميعا نسأل متى سنحارب؟ لأن كل من كان موجودا لديه مشاكل عائلية، المتزوج لا يستطيع النزول للمنزل، الذي يريد الخطبة لم يتمكن من ذلك، يعني العساكر قضوا تسع سنوات في الثكنات”، ويضيف: “أنا كطبيب قضيت خمس سنوات، وكان ممنوعا الخروج، وعندما خرجنا صار علينا رقابة لأن هذا السلاح تابع للمخابرات، فكانت هناك رقابة عليك من بعيد بأي شكل”.
يصف الدكتور السيد عبد الباري اللحظة التاريخية بتفاصيل حية: “في الساعة الثانية تلك، كنت جالسا في العيادة، ونحن لنا ستة أشهر ننام ونستيقظ وننام في هذه الأماكن، لم أكن أعرف أن الحرب بدأت فكنت جالسا مرتاحا في العيادة”، ثم جاءت اللحظة الفاصلة: “فوجئت برئيس العمليات قادما، ما الأمر؟ قال لي قم بسرعة هيا تحرك، ماذا يا عم هل قامت الحرب؟ قال لي نعم قامت حرب حقيقية، هل ستقوم أم أطلق عليك النار، فلا يوجد تفاهم، وقت الحرب لا يوجد تفاهم”.
في أكثر المواقف إنسانية، يحكي عن لحظات اختبار الشجاعة الحقيقية: “إذا أصيب أحد على مسافة معينة ونحن نراه، والذي أصابه إسرائيلي سقط وسيموت أو مصاب، فهنا تظهر الشجاعة في من سيذهب ليحضره ونحن نعرف أن المكان مراقب ولا يزال تحت القصف”، ويضيف بفخر: “كان هناك موقع أمامي تعرض للقصف من بعيد وأرسلت أربعة يحملون نقالات أحضروه، لماذا؟ لأن هؤلاء الأربعة لم يقل أحد منهم لا لن أذهب، أو يسأل لماذا؟ لأنه يعرف العواقب، فالجميع ملتزم”.
ويوضح فلسفة الطب العسكري في ظروف الحرب: “الحالات تكون كثيرة وليست بسيطة، الحالة التي تحتاج وقتا كنا ننقلها إلى المستشفى الميداني والميداني يحولها إلى المستشفيات الكبيرة”، ويلخص الدكتور عبد الباري شهادته، قائلا: “الحرب أعطتنا جرعة كبيرة من أننا لو حاربنا نستطيع أن نعمل شيئا، ليس بالكلام أو غيره، لدينا ناس، نحن كما أقول لك كانوا مؤهلين تأهيلا عاليا”. وعن الروح المعنوية: “كانت الروح المعنوية فوق ما تتخيله، كان




