

لم تكد الملاعب المصرية تستفيق من صدمة الطريقة الصادمة التي أدار بها الفلسطيني وسام أبو علي ظهره للنادي الأهلي، حتى استيقظت الجماهير على سيناريو كربوني مكرر يفوح بغدر المرتزقة، ولكن هذه المرة داخل جدران ميت عقبة، وبطله البرازيلي خوان بيزيرا لاعب نادي الزمالك. مشهدٌ مخزٍ أعاد إلى الأذهان جدلية “انتماء اللاعب الأجنبي”، وأثبت بالدليل القاطع أن شعارات حب الكيان ما هي إلا مساحيق تجميل تذوب فوراً أمام بريق الدولارات والمصالح الشخصية.
بريق البدايات.. صناعة النجومية من العدم
بدأت الحكايتان بفصل متشابه؛ لاعبون جاءوا إلى الدوري المصري بأسماء عادية أو كبدلاء، فاحتضنتهم جماهير القطبين، وصنعت منهم نجوم شباك، ورفعت قيمتهم السوقية في السماء. تألق وسام أبو علي بالقميص الأحمر ونال شهرة لم يحلم بها، وتوهج بيزيرا مع الفارس الأبيض وأصبح مدلل المدرجات الأبيض.
لكن بدلاً من رد الجميل، تبدلت الولاءات مع أول عرض مالي خارجي مغرٍ. تسيّد المشهد وكلاء لاعبين جشعين أداروا المؤامرة خلف الكواليس، وبدأت ممارسة سياسة “ليّ الذراع” والضغط على الإدارات لفتح باب الرحيل بالقوة، في سلوك يفتقر لأدنى درجات الاحترافية والاحترام للعقود.
أساليب التمرد الملتوية وسلاح “فيفا” المطاط
تطابقت الوسائل الرخيصة التي اتبعها الثنائي لإجبار الأهلي والزمالك على الاستسلام، وجاءت على النحو التالي:الهروب والامتناع عن العمل: اللجوء الفج إلى الغياب عن التدريبات والمعسكرات وفترات الإعداد، وادعاء الإصابات أو التعلل بظروف خاصة لضرب استقرار الفريق فنياً ونفسياً.
الابتزاز بالبطاقة الدولية: استغلال ثغرات لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) – وتحديداً المادة 17 – التي تتيح للاعبين استخراج بطاقات دولية مؤقتة للعب في أندية أخرى أثناء النزاعات، مما وضع القطبين تحت مقصلة “الأمر الواقع” وأجبرهما على قبول تسوية مالية بدلاً من الدخول في نفق القضايا الطويل.
انتهت فصول المسرحية ببيانات اعتذار باردة، اعتبرتها الجماهير مجرد رماد يُذر في العيون لتمرير صفقة “الهروب المقنن”، ليرحل وسام أبو علي إلى الدوري الأمريكي (MLS)، بينما طار بيزيرا صوب الدوري الإماراتي.
لغة الأرقام.. كم جني الثنائي وكم خسرت الأندية؟
إذا نظرنا إلى لغة المال، نجد أن الأرقام تعكس بوضوح حجم الإغراء الذي أسقط مبادئ اللاعبين:
صفقة وسام أبو علي: انتقل المهاجم الفلسطيني إلى نادي نيويورك سيتي الأمريكي بصفقة قياسية قُدرت بنحو 7.5 مليون دولار يحصل عليها الأهلي، بينما نال اللاعب راتباً سنوياً ضخماً يتخطى الـ 2.5 مليون دولار، وهو ما يعادل أضعاف ما كان يتقاضاه في مصر.
صفقة خوان بيزيرا: اضطر الزمالك لبيعه بنحو 3.5 مليون دولار إلى نادي الجزيرة الإماراتي تفادياً لرحيله مجاناً بعد انقطاعه، في حين حصل اللاعب على عقد يسيل له اللعاب براتب يقترب من 2 مليون دولار سنوياً.
رغم المكاسب المادية للأندية، إلا أن الخسارة الفنية كانت فادحة؛ فالأهلي دفع ثمن عشوائية هجومه في بطولات قارية مهمة بعد رحيل وسام، بينما طعن بيزيرا طموحات الزمالك في التوقيت الأصعب من الموسم.
المبادئ لا تتجزأ والدرس مستمر
في النهاية، تثبت أزمتا وسام أبو علي وبيزيرا أن العاطفة الجماهيرية كثيراً ما تتلقى صفعات قوية من لاعبين لا يملكون سوى “ولاء المحفظة”. توصيف “الخيانة الرياضية” سيظل يلاحق الثنائي في وجدان المشجعين مهما حققوا من أموال. الدرس الحقيقي هنا هو لإدارات الأندية المصرية: كفاكم تدليلاً للأجانب، وحصّنوا عقودكم بشروط جزائية تعجيزية، واعلموا أن النجم الأجنبي – في غياب الرقابة القانونية الصارمة – هو مجرد عابر سبيل يبحث عن المحطة الأكثر ربحاً، ولا عزاء للمبادئ التي يتغنى بها الجمهور وحده.




