الأزمة المصرية الإثيوبية لم تعد مجرد خلاف حول سد النهضة، وإنما أصبحت اختبارًا حقيقيًا لقدرة دول حوض النيل على إدارة مورد مشترك دون أن يتحول الخلاف إلى صراع مفتوح. وبعد سنوات طويلة من المفاوضات التي لم تصل إلى اتفاق نهائي، ومع عودة الحديث عن مشروعات إثيوبية جديدة على النيل الأزرق، يبدو أن استمرار الأسلوب نفسه لم يعد كافيًا.
الحل الأمثل ليس في الحرب، ولا في الاستسلام للأمر الواقع، وإنما في صفقة سياسية واقتصادية ومائية متكاملة.
مصر تحتاج إلى اتفاق ملزم قانونيًا يحدد قواعد تشغيل السد والتعامل مع سنوات الجفاف والجفاف الممتد، وآلية واضحة لتبادل البيانات، وسلامة السدود، وآلية ملزمة لفض أي نزاع مستقبلي. وهذه النقاط كانت جوهرية في المواقف المصرية خلال المفاوضات السابقة.
وفي المقابل، يجب الاعتراف بأن إثيوبيا لديها احتياجات تنموية حقيقية، وأن السد بالنسبة لها مشروع لتوليد الكهرباء والتنمية. ولذلك فإن الحل الذكي هو أن تحصل إثيوبيا على حقها في التنمية دون أن تتحول التنمية إلى تهديد للأمن المائي المصري والسوداني.
وهنا يمكن أن تبدأ الصفقة الحقيقية:
أولًا: اتفاق ثلاثي ملزم بين مصر والسودان وإثيوبيا، وليس مجرد بيانات سياسية أو تفاهمات غير ملزمة.
ثانيًا: إنشاء لجنة فنية دائمة ومستقلة تضم خبراء من الدول الثلاث وخبراء دوليين، تكون مهمتها مراقبة التشغيل وتبادل البيانات والتعامل مع حالات الجفاف والطوارئ.
ثالثًا: ربط ملف المياه بملف التنمية. مصر تستطيع أن تعرض شراكات استثمارية حقيقية مع إثيوبيا في الكهرباء والزراعة والصناعة والبنية التحتية، بحيث تصبح مصلحة إثيوبيا في التعاون أكبر من مصلحة الصدام.
رابعًا: الاتفاق من الآن على أن أي سدود مستقبلية على النيل الأزرق لا يتم تشغيلها بصورة منفردة بما يضر بالدولتين downstream، مع وجود آلية إخطار وتشاور مسبق. وهذا مهم خصوصًا مع الحديث الحالي عن مشروعات إثيوبية جديدة.
خامسًا: إعطاء الاتحاد الأفريقي دورًا رئيسيًا، مع الاستعانة بالأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي عند الحاجة. فالطرفان سبق أن أعلنا تمسكهما بأهمية المسار الأفريقي، وإن اختلفا حول آليات التفاوض.
والأهم من كل ذلك أن تنتقل القاهرة من إدارة أزمة سد النهضة إلى إدارة ملف النيل بالكامل.
فبدل أن يكون السؤال: كيف نمنع إثيوبيا من بناء سد؟، يجب أن يصبح: كيف نجعل كل دول حوض النيل شركاء في إدارة النهر والاستفادة منه؟
مصر تمتلك أوراقًا مهمة: موقعها، علاقاتها الأفريقية، خبراتها في إدارة المياه والطاقة، وقدرتها الاستثمارية، وعلاقاتها الدولية. وإثيوبيا تمتلك ورقة مهمة أيضًا: موقعها كمصدر رئيسي لمياه النيل الأزرق وقدرتها على إنتاج الطاقة الكهرومائية.
إذن الحل ليس أن ينتصر طرف على آخر، وإنما أن ينتصر الطرفان بفكرة “المصلحة المشتركة”.
لقد أثبتت أكثر من عقد من المفاوضات أن ترك الأزمة بلا اتفاق نهائي يراكم المخاطر. كما أن التصعيد وحده لا يقدم حلًا دائمًا. لذلك فإن المطلوب الآن مبادرة مصرية جديدة تضع على الطاولة اتفاقًا شاملًا: مياه + كهرباء + استثمار + تنمية + ضمانات قانونية.
فالنهـر الذي يجمع الشعوب لا ينبغي أن يتحول إلى سبب للحروب.
ومصر لا تحتاج إلى معركة جديدة مع إثيوبيا بقدر ما تحتاج إلى اتفاق جديد معها. الاتفاق الذي يحفظ لمصر حقها في الحياة، وللسودان أمنه المائي، ولإثيوبيا حقها في التنمية.
*تلك هي المعادلة الأصعب… لكنها ربما تكون الحل الوحيد القابل للاستمرار.





