مقالات

سعد غنيم يكتب…حين تحتاج السعودية.. تكون مصر في الموع

هناك مواقف تكشف وزن الدول، وتمنح الكلمات معناها الحقيقي. وحين يتعلق الأمر بأمن السعودية، فإن موقف مصر يصبح تعبيرا عن فهم عميق لمسؤوليتها، وإدراك واضح بأن الخطر الذي يقترب من بيت شقيق يستدعي يقظة كل من يدرك قيمة هذا البيت ومكانته.
ومن هنا تأتي أهمية الموقف الذي أعلنه الرئيس عبد الفتاح السيسي، باستعداد مصر لاتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن السعودية إذا طلبت ذلك، وطلبه موافقة مجلس النواب على هذا التحرك. إنه موقف يستحق التقدير؛ لأنه يضع التضامن في موضع المسؤولية، ويمنح الأشقاء رسالة واضحة بأن مصر حاضرة حين تستدعي الظروف حضورها.
في تقديري، كان إعلان هذا الاستعداد ضروريا في توقيته ومعناه. ففي لحظات الخطر، يحتاج الشقيق إلى موقف واضح يطمئنه، وتحتاج المنطقة إلى رسالة تؤكد أن حماية الدول وسيادتها وسلامة شعوبها مسؤولية تؤخذ بجدية. وكلما كانت الرسالة واضحة، ازدادت قدرتها على ردع الاعتداء وفتح الطريق أمام التهدئة.
أمن السعودية من أمن مصر. وهذه العبارة تحمل معنى يتجاوز المجاملة السياسية؛ فعلى ضفتي البحر الأحمر تعيش مصالح البلدين، وتمر حركة التجارة، وترتبط حياة أسر كثيرة بالعمل والسفر والاستقرار. وما يهدد هذه المساحة الحيوية يترك أثره في حياة الناس وأرزاقهم ومستقبلهم. ولذلك فإن مساندة المملكة تعبر عن قراءة واعية لمصالح مصر، بقدر ما تعبر عن الوفاء لعلاقة أخوية راسخة.
وللسعودية في وجدان المصريين مكانة خاصة. فيها مكة المكرمة والمدينة المنورة، وإليها تتجه القلوب قبل الأقدام. وبين الشعبين بيوت مفتوحة وصداقات وعلاقات عمل وذكريات عمر. وحين يشعر المواطن السعودي بالأمان، يسعد بذلك المصري الذي يرى في المملكة بلدا عزيزا، ويرى في أهلها أشقاء يستحقون الطمأنينة والحياة الآمنة.
إن حكمة القيادة تظهر في قدرتها على إدراك اللحظة، وتحديد ما تحتاجه من موقف. وإعلان الاستعداد للمساعدة يمنح العلاقة بين البلدين قوة عملية، ويؤكد أن سنوات التعاون والثقة قادرة على أن تتحول إلى سند عند الحاجة. وهنا تكمن قيمة القرار الحكيم: أن يأتي في الوقت الذي يحتاج فيه الناس إلى الاطمئنان، وتحتاج فيه الدول إلى وضوح شركائها.
كما أن التعاون بين الأشقاء يقتضي استعدادا لتقديم العون، واستعدادا لقبوله عندما تدعو الحاجة. فالدول القوية تعرف كيف تجمع قدراتها، وتستفيد من ثقة شركائها، وتنسق معهم بما يحفظ سيادتها ويحقق مصالحها. وقبول المساعدة قرار سيادي مسؤول، يعكس حرص القيادة على شعبها، ويمنح الشراكة معناها الكامل.
والمساندة التي نؤيدها هي مساندة غايتها حماية الإنسان؛ أن ينام الطفل آمنا، وأن يصل المسافر إلى وجهته، وأن يعمل الناس دون خوف على بيوتهم ومصادر رزقهم. هذه هي القيمة التي ينبغي أن تحكم أي تعاون دفاعي: حماية الحياة، وصون الأرض، وتهيئة الظروف التي تسمح باستعادة الهدوء.
ولهذا أرى أن وضوح الالتزام بأمن السعودية يجب أن يصاحبه تقدير دقيق لوسائل تنفيذه، وتنسيق كامل مع قيادتها، واحترام للإجراءات الدستورية المصرية. فالثبات على المبدأ يمنح الموقف قوته، وحسن إدارة التفاصيل يمنحه فرص النجاح. وقدرة الدولة على المساندة تقاس أيضا بحكمتها في تحديد المهمة وأهدافها، وبحرصها على أن يحقق تحركها الحماية والاستقرار.
ومن المهم أن ندرك أن تقوية الدفاع تساند فرص السلام عندما تجعل الاعتداء أكثر كلفة، وتمنح الجهود السياسية فرصة للعمل. وكل جهد يحمي السعودية، ويساعد على وقف التصعيد، ويجنب الشعوب المزيد من الخسائر، يستحق الدعم والتقدير.
هذا هو المعنى الذي أراه في الموقف المصري: دولة تعرف قدر شقيقتها، وتفهم اتصال أمنها بأمن محيطها، وتعلن استعدادها لتحمل مسؤوليتها. ومثل هذه المواقف تمنح الشعوب ثقة في أن الروابط العربية تستطيع أن تنتقل من الكلمات إلى القدرة على الحماية.
ستظل قيمة مصر في قدرتها على الجمع بين القوة والحكمة، وبين الوفاء وحسن التقدير. وحين تعلن وقوفها إلى جانب السعودية، فإنها تؤكد أن الأخوة عهد تصونه المواقف، وأن أمن الأشقاء يستحق حضورا جادا في اللحظة التي يحتاجون فيها إليه.
وحين تحتاج السعودية إلى سند، فإن مكان مصر الطبيعي أن تكون إلى جوارها؛ بوضوح الموقف، وحكمة القرار، وقوة تستطيع أن تحمي، ومسؤولية تعرف لماذا تتحرك.

د  بقلم: سعد غنيم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى