سعد غنيم يكتب …من يحب وطنه لا يحرقه

حين ترتفع الأسعار ويضيق الرزق، يكون القلق مفهوما، وتصبح المطالبة بحياة أفضل أمرا طبيعيا. لكن السؤال الذي يجب أن يسبق كل تصرف هو: هل ما نفعله سيخفف أعباءنا، أم سيضيف إليها؟ وهل نحمي بيوتنا حين نحافظ على وطننا، أم يمكن أن نهدم بأيدينا ما نحتاج إليه غدا؟
ما شهدته فرنسا وإيطاليا من أعمال عنف على هامش احتجاجات غلاء المعيشة وتراجع الخدمات يضع أمامنا درسا يستحق التأمل. فبين المطالبة بتحسين الحياة وتحطيم أسباب الحياة مسافة يجب أن يحرسها العقل. وحين تشتعل النار في متجر أو مرفق عام، فإنها لا تلتهم حجارة وزجاجا فقط، بل تأكل أرزاقا وفرص عمل وأموالا كان يمكن أن تذهب إلى خدمة يحتاج إليها الناس.
صاحب المحل الذي يخسر بضاعته قد يكون مواطنا مثقلا بالديون، والعامل الذي يتوقف رزقه قد يكون صاحب الشكوى نفسها، والمرفق الذي يتعطل سيحتاج المواطن إلى خدمته قبل أي مسؤول. وهنا تصبح الخسارة مضاعفة: مشكلة قائمة لم تحل، وخراب جديد يجب إصلاحه.
أي حكمة في أن نحرق مكانا نطلب منه أن يوفر لنا فرصة؟ وأي مكسب يتحقق حين نهدم خدمة لأننا نريدها أفضل؟ الغضب قد يفسر انفعال الإنسان، لكنه لا يجعل كل تصرف يصدر عنه صائبا، ولا يعفيه من التفكير في العواقب.
ومن الإنصاف أن نفرق بين مواطن يعبر سلميا عن معاناته، ومن يستغل هذه المعاناة للاعتداء والتخريب. فلا كل صاحب شكوى يريد الشر لبلده، ولا كل من يرفع صوته بالحديث عن الناس يحمل بالضرورة حلا لمشكلاتهم. المعيار هو الفعل ونتيجته: ماذا قدم؟ وماذا أصلح؟ ومن سيتحمل ثمن ما يدعو إليه؟
وفي مصر، ندعو الله أن يحفظ بلدنا من الفتن والعنف، وأن يديم علينا نعمة الأمن. ونعرف أن الحفاظ على هذه النعمة مسؤولية نشارك فيها جميعا، بالوعي والعمل واحترام القانون وصيانة مقدرات وطننا. فالأمان الذي نخرج به إلى أعمالنا، ونطمئن به على أولادنا، يستحق أن نحميه، وأن نفكر كثيرا قبل أن نسمح لأحد بالعبث به.
الشعب المصري يعرف معنى الشدة، ويعرف أيضا قيمة السند وقت الشدة. وفي بيوتنا حكايات لا تنتهي عن أسر تحملت، وجيران تكاتفوا، وأناس اقتسموا القليل حتى تعبر الأيام الصعبة. هذه الروح تستحق أن نحافظ عليها، وأن نحولها إلى عمل وإنتاج وتعاون ومطالبة واعية بالإصلاح.
ولكل مرحلة ظروفها وتحدياتها. والحكمة تقتضي أن نفهم ما نمر به، وأن نبحث عن الطريق الذي يعالج المشكلة بأقل خسائر، ويحفظ للدولة قدرتها على أداء واجبها، وللمواطن حقه وكرامته. والوعي بقيمة الاستقرار يسير مع ضرورة تحسين الخدمات، ومواجهة الفساد، والاستماع إلى الناس، وتخفيف الأعباء عنهم.
لا تسلم عقلك لصوت غاضب، ولا تجعل مقطعا عابرا أو شائعة مجهولة يقرران موقفك من وطن كامل. اسمع، وتحقق، وفكر، واسأل عن النتيجة. من السهل أن يدفعك شخص إلى الخسارة، خصوصا حين يكون بعيدا عن دفع ثمنها، وتبقى أنت وأسرتك في مواجهة آثارها.
ومساندة الدولة تكون بالعمل الصادق، وحماية مؤسساتها، وتقديم النقد المسؤول الذي يساعدها على الإصلاح. كما تكون برفض تحويل وجع الناس إلى وقود للخراب، ورفض استغلال احتياجاتهم لدفعهم إلى طريق يزيد حياتهم صعوبة.
حفظ الله مصر وأهلها، وأعان كل بيت على أعبائه، ووفق مؤسساتنا إلى ما يحقق الخير للمواطن. ومهما اشتدت الظروف، يجب أن تظل بين أعيننا حقيقة واحدة: هذا الوطن بيتنا جميعا، وإصلاح البيت يحتاج إلى أيد تبني، وعقول تفكر، وقلوب تعرف قيمة ما تحميه….. بقلم: سعد غنيم




