سعد غنيم يكتب … شكرا يا ريس.. الأمانة وطن

شكرا يا ريس، أديت الأمانة. شكرا لأنك تحملت المسؤولية في وقت كانت فيه المسؤولية حملا ثقيلا، وكانت مصر تحتاج إلى من يثبت أقدامها، ويحمي مؤسساتها، ويعيد إليها قدرتها على مواجهة الخطر وصناعة المستقبل. وشكرا على الحكمة، فهناك لحظات في تاريخ الأوطان يكون فيها القرار الحكيم حماية لملايين البشر، ويكون فيها الثبات عملا لا يعرف الناس حجم مشقته إلا بعد أن تمر العاصفة.
هذه الكلمات هي ما شعرت به وأنا أتابع خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي، يوم السبت 17 أكتوبر، خلال حفل تخرج دفعات جديدة من الأكاديمية والكليات العسكرية. وجدت أمامي حديثا يفتح باب التفكير في مستقبل مصر، وفي معنى المسؤولية، وفي الفارق بين إدارة يوم نعيشه وبناء دولة تعيش لأبنائنا من بعدنا.
كان تأكيد الرئيس انتهاء فترته الرئاسية في عام 2030 من أبرز رسائل الخطاب، إلى جانب حديثه عن إعداد كوادر تستطيع تحمل المسؤولية. وهي تصريحات تستحق أن نتوقف عندها، لأنها تضع سؤال المستقبل في صدارة النقاش: كيف تستمر الدولة بكفاءة، وكيف نعد أبناءها للمهام الكبرى؟
وفي قراءتي، هنا تكمن إحدى نقاط قوة الخطاب. فالمسؤول الذي ينشغل بما سيأتي بعده يدرك أن الأمانة أكبر من سنوات وجوده في المنصب، وأن قيمة ما يقدمه تقاس أيضا بقدرته على ترك أسباب الاستمرار. الوطن يحتاج إلى خبرات تتراكم، ومؤسسات تؤدي دورها، وأجيال تفهم حجم المسؤولية قبل أن تتقدم إليها.
الرئاسة أمانة في حياة الناس وأرزاقهم وأمنهم، وفي حدود بلد ومصالح شعب ومستقبل أجيال. والكلمة التي تبدو سهلة أمام الميكروفون قد تصبح قرارا بالغ التعقيد حين ترتبط بلقمة العيش أو بأمن الحدود أو بعلاقات مصر بالعالم. لذلك أرى أن الاهتمام بإعداد الإنسان القادر على المسؤولية يستحق التقدير، وأن نجاحه الحقيقي يظهر في الكفاءة والعدل وإتاحة الفرصة للمستحقين.
وحين أقول: شكرا يا ريس، أخذتها منهكة وعملت على تقوية كيانها، فأنا أتحدث عن بلد عظيم بتاريخه وشعبه، مر بسنوات عصيبة، وعن مؤسسات كان الحفاظ على تماسكها ضرورة لحماية حياة المصريين. مصر كانت وستظل صاحبة كيان ومكانة، لكن صيانة هذا الكيان وسط الأزمات تحتاج إلى جهد وإرادة وقرارات يتحمل صاحبها تكلفتها.
ومن الإنصاف، ونحن نتحدث عن هذه المسيرة، أن نتذكر المواطن المصري. ذلك المواطن الذي تحمل ضغوط المعيشة، وواصل عمله، وربى أبناءه، وحافظ على بيته وأمله رغم الصعوبات. الشكر للرئيس يصاحبه تقدير للشعب، ولجنود وضباط القوات المسلحة والشرطة، ولكل عامل وموظف وطبيب ومعلم وفلاح شارك بجهده في بقاء هذا الوطن واقفا.
وفي الجانب الإقليمي، حمل الخطاب موقفا واضحا تجاه السعودية، مع طلب تفويض من مجلس النواب لدعمها عسكريا إذا طلبت المملكة ذلك. وهذا التفصيل مهم، لأنه يربط الموقف بالتنسيق مع الشقيق السعودي والرجوع إلى المؤسسة النيابية المصرية.
وأقرأ في هذا الموقف معنى الوفاء، ومعنى إدراك ترابط المصالح والأمن بين الأشقاء. فالعلاقات بين الدول تختبرها أوقات الشدة، والمواقف الكبيرة تحتاج إلى حكمة تقدر العواقب وتحسب الخطوات. قوة الدولة تمنح قرارها وزنا، والحكمة توجه هذه القوة إلى حماية المصالح وصون الاستقرار.
لهذا كانت قوة الخطاب، في نظري، في القضايا التي وضعها أمام الناس: مستقبل القيادة، وتأهيل من يتحملون المسؤولية، وأمن الوطن، والالتزام تجاه الأشقاء. وما بين هذه المعاني أرى رسالة تدعو إلى التعامل مع الدولة بجدية، وإلى فهم أن الحفاظ عليها عمل يومي يتطلب وعيا وخبرة وإخلاصا.
والتقدير الصادق للرئيس يكتمل بالحرص على نجاح ما يدعو إليه. أن تتحول الكفاءة إلى فرص عادلة، وأن يشعر المواطن بتحسن الخدمات، وأن يجد صاحب المظلمة من يسمعه، وأن يصل أثر البناء إلى حياة الناس. فكل مؤسسة تعمل بعدل وكفاءة تضيف إلى قوة مصر، وكل مسؤول يحترم المواطن يحفظ جزءا من الأمانة.
شكرا يا ريس على تحمل المسؤولية، وعلى كل جهد مخلص لحماية مصر وتقوية مؤسساتها. وشكرا على خطاب أعاد إلى الواجهة معنى مهما: أن التفكير في الغد جزء من واجب اليوم، وأن إعداد من يحملون الأمانة مسؤولية تستحق العمل من الآن.
أما قولي «أديت الأمانة»، فهو تقدير لما تحملته وما قدمته، ودعاء بأن تتمها على خير. فما زالت هناك سنوات للعمل، واحتياجات للناس، وآمال تستحق أن تتحقق.
شكرا يا ريس على الحكمة. وتبقى أعظم ثمرة لكل جهد أن تظل مصر آمنة وقوية بمؤسساتها، عزيزة بأبنائها، وأن يجد المواطن في وطنه كرامته وفرصته واطمئنانه على أولاده. تلك هي الأمانة التي نريد جميعا أن تبقى مصونة …
بقلم: سعد غنيم



