مقالات

الونس… أن تجد من يهون عليك الدنيا،

 

بقلم الإعلامي: سعد غنيم

قد تعيش في بيت مليء بالناس، وتجلس كل يوم وسط وجوه تعرفها، ومع ذلك تشعر أنك وحدك. وقد تجلس مع شخص واحد، فتجد في وجوده راحة لا تمنحك إياها الدنيا كلها.

 

فالونس أكبر من أن يكون هناك أحد يعيش معك تحت سقف واحد. الونس أن تجد من يكون معك بقلبه، ويسمعك باهتمام، ويشعر بتعبك، ويسندك حين تثقل عليك الحياة.

 

أن تعرف أن هناك من تستطيع أن تقول له: «أنا تعبان»، من غير أن تضطر بعدها إلى الدفاع عن حقك في التعب. أن تحكي ما يضايقك، فتجد من يحاول فهمك قبل أن يحكم عليك، ومن يترك لك مساحة تتكلم فيها، حتى لو كان كلامك مرتبكًا، وحتى لو حكيت الحكاية نفسها أكثر من مرة.

 

نحن نحتاج إلى هذا الشعور أكثر مما نعترف. نحتاج إلى شخص نطمئن لوجوده، ونفرح بمشاركته تفاصيل يومنا. نحكي له عن شيء صغير أسعدنا، وعن موقف ضايقنا، وعن حلم ما زلنا نحاول الوصول إليه. شخص لا يستصغر ما نشعر به، ولا يجعلنا نخجل من احتياجنا إليه.

 

أحيانًا يكون الونس في سؤال بسيط: «وصلت؟». وأحيانًا في مكالمة آخر اليوم: «احكي لي، يومك كان عامل إيه؟». وقد يكون في كوب شاي يضعه أحدهم أمامك حين يراك مرهقًا، أو في جلوسه إلى جوارك، لأنه شعر أنك لا تريد أن تبقى وحدك.

 

تفاصيل تبدو صغيرة، لكنها تقول للإنسان شيئًا كبيرًا: هناك من ينتبه إليك، ومن يهمه أمرك، ومن يجد لك مكانًا في يومه وقلبه.

 

وأجمل الونس أن تجد من تستطيع أن تكون معه على طبيعتك. لا تحتاج إلى اختيار كل كلمة بحذر، ولا إلى إخفاء حزنك حتى لا يراك ضعيفًا، ولا إلى ادعاء أنك بخير طوال الوقت. تضحك من قلبك، وتحكي من قلبك، وإن غلبك الصمت، لا تشعر أنك مطالب بتفسيره فورًا.

 

فهناك صمت يثقل على الروح، وصمت يريحها. والفرق أحيانًا هو الشخص الجالس بجوارك. مع إنسان تشعر بالغربة وأنت تتحدث، ومع آخر تشعر بالأمان وأنت ساكت.

 

والونس لا يشترط أن يملك صاحبه حلًا لكل مشكلاتك. قد تكون المشكلة أكبر منكما، وقد يعجز عن تغيير ما حدث، لكنه يستطيع أن يخفف عنك وأنت تواجهه. يسمعك، ويفكر معك، ويذكرك بما تستطيع فعله، ويقول لك بصدق: «أنا جنبك». ثم تجد لهذه الكلمة أثرًا في مواقفه، لا في صوته وحده.

 

كم من إنسان استطاع أن يكمل طريقًا صعبًا لأن هناك من آمن به. وكم من تعب أصبح محتملًا لأن صاحبه وجد من يشاركه حمله. وكم من ليلة ثقيلة مرت بسلام بسبب مكالمة، أو زيارة، أو يد امتدت في وقت كان الإنسان يحتاج فيه إلى سند.

 

ولهذا، قد يكون الونس زوجة تشارك زوجها همومه، وزوجًا يشعر بما تتحمله زوجته. وقد يكون ابنًا يجلس مع أبيه ويسمع حكاياته باهتمام، أو ابنة تسأل أمها عما يشغلها، أو أخًا لا ينتظر طلب المساعدة، أو صديقًا تحفظ له الأيام أنه حضر حين احتجت إليه.

 

لا عمر معينًا نحتاج فيه إلى الونس. الصغير يحتاج إلى من يسمعه ويطمئنه، والشاب يحتاج إلى من يسانده وهو يبني حياته، والكبير يحتاج إلى من يشعره أن له مكانًا، وأن حكاياته ما زالت تستحق أن تسمع، وأن وجوده عزيز.

 

وربما أكثر ما يؤلم الإنسان أن يكون له أهل وأصدقاء، ثم يحتار: بمن أتصل الآن؟ لمن أقول ما في قلبي؟ من سيسمعني من غير استعجال، ومن غير أن يجعلني أشعر أنني عبء عليه؟

 

لهذا، انتبهوا لمن حولكم. أحيانًا يكون الشخص كثير المزاح محتاجًا إلى سؤال جاد، ويكون الشخص القوي محتاجًا إلى من يسنده، ويكون الهادئ منتظرًا أن يقول له أحد: «حاسس إنك مش على طبيعتك، تحب نتكلم؟».

 

لا تفترضوا أن من لا يطلب الونس لا يحتاج إليه. بعض الناس تمنعهم عزة النفس، وبعضهم أتعبتهم محاولات سابقة لم يجدوا فيها من يسمعهم، فتعلموا أن يخفوا احتياجهم وراء عبارة: «الحمد لله، كله تمام».

 

وإذا رزقك الله بإنسان يؤنس قلبك، فاحفظ له مكانه. اسأل عنه كما يسأل عنك، واسمعه كما يسمعك، وكن حاضرًا حين يحتاج إليك. فمن يهون عليك تعبك له أيضًا تعب، ومن يطمئنك قد ينتظر منك كلمة تطمئنه.

 

الونس يحتاج إلى رعاية؛ إلى وقت نمنحه، واهتمام نظهره، ووعد نحفظه، وخلاف لا نهدم فيه كل ما بيننا. ويحتاج إلى أن ننتبه إلى أثر كلماتنا، فالقلب الذي اطمأن إلينا يستحق أن نرفق به.

 

في زحمة الحياة، نحن نبحث عن أرزاق كثيرة، ونسعى وراء أشياء نظن أن بها تكتمل سعادتنا. ثم تمر بنا لحظة صعبة، فنكتشف قيمة إنسان يسأل بصدق، ويجلس من غير استعجال، ويشعرنا أن ما نحمله يهمه.

 

ذلك هو الونس الذي نحتاجه؛ أن تجد من تفرح لأنك ستراه، ومن تتذكره حين يحدث لك شيء جميل فتريد أن تحكيه له، ومن تلجأ إليه حين يضيق صدرك، وأنت مطمئن أن قلبه يتسع لك.

 

 

وفي نهاية يوم طويل، قد لا تحتاج إلى كلام كثير، ولا إلى نصائح جديدة. قد تحتاج فقط إلى وجه تألفه، وصوت تحبه، وسؤال دافئ: «مالك؟ احكي لي».

فتتنفس، وتشعر أن بإمكانك أن تضع بعض تعبك، وتقول أخيرًا ما ظللت تحمله طوال اليوم.

 

ما أجمل الونس… وما أغلى من يجعل للحياة طعمًا أهدأ، وللبيت دفئًا، وللقلب مكانًا يستريح فيه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى